الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

327

مختصر الامثل

الإسلام - يتمنون الموت في أحاديثهم ومجالسهم ويقولون : ليتنا نلنا الشهادة في « بدر » ، ومن الطبيعي أن يكون بعض تلك الجماعة صادقين في تمنيهم والبعض الآخرون كاذبين يتظاهرون بهذه الأمنية ، أو يجهلون حقيقة أنفسهم ، ولكن لم يلبث هذا الوضع طويلًا ، فسرعان ما وقعت معركة أحد الرهيبة المؤلمة ، فقاتل المجاهدون الصادقون بشهامة وبسالة وصدق وكرعوا كؤوس الشهادة ، وحققوا أمانيهم ، ولكن الذين كانوا يتمنونها كذباً وتظاهراً ما إن رأوا علائم الهزيمة التي لحقت بالجيش الإسلامي في تلك الواقعة حتى فروا خوفاً وجبناً ، وضناً بنفوسهم وأرواحهم ، تاركين الساحة للعدو الغاشم ، فنزلت هذه الآية توبّخهم وتعاتبهم إذ تقول : « وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ » . فلماذا فررتم وهربتم من الشيء الذي كنتم تتمنونه طويلًا وكيف يفر المرء من محبوبه ، وهو يراه وينظر إليه ؟ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : قال أهل التفسير : سبب نزول هذه الآية أنّه لما ارجف بأنّ النبي صلى الله عليه وآله قد قتل يوم أحد وأشيع ذلك ، قال أناس : لو كان نبياً لما قتل . وقال آخرون : نقاتل على ما قاتل عليه ، حتى نلحق به وارتد بعضهم وانهزم بعضهم . وكان سبب انهزامهم وتضعضعهم ، إخلال الرماة لمكانهم من الشعب . وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله نهاهم عن الإخلال به وأمّر عبد اللَّه بن جبير وهو أخو خوّات بن جبير ، على الرماة وهم خمسون رجلًا وقال : « لا تبرحوا مكانكم ، فإنّا لا نزال غالبين ما ثبتم بمكانكم » . التّفسير لا لعبادة الشخصية وتقديس الفرد : تعلّم الآية الأولى من هاتين الآيتين حقيقة أخرى للمسلمين استلهاماً من أحداث معركة « أحد » إذ تقول : « وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن